<!--
============================== SHOTS المقاطع القصيرة===================================
--><!--
============================== SHOTS المقاطع القصيرة===================================
-->
بعد الهجوم الذي شنه الشيخ يوسف القرضاوي على التبشير الشيعي في المناطق السنية، من السطحية بمكان أن نظن أن الذين ردوا على القرضاوي من السنة هم من المعجبين بالتشيع كفكر وعقيدة، إذ لو كانوا كذلك لالتحقوا من فورهم بالمذهب الشيعي علانية فكلهم من النخب المثقفة الشجاعة التي لا تبالي بشيء في سبيل اعتقادها، ولكن الأمر له وجهة أعمق من هذا بكثير ربما صَعُب فهمها على البعض حتى الآن، ولتبين هذه الوجهة لابد من العودة قليلًا إلى الوراء عندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979م.
كان شاه إيران طاغية يمثل الركيزة الرئيسية للنفوذ والسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، مثله في ذلك مثل إسرائيل، وكان مكروهًا لدى الإسلاميين والقوميين على حد سواء، وهم أغلبية الشارع السياسي العربي؛ وبسبب ذلك انتشر التعاطف الإسلامي والقومي مع الثورة الإيرانية منذ البداية.
رفعت الثورة الإيرانية شعارات جاذبة للإسلاميين فاسمها الرسمي "الثورة الإسلامية"، كما قدمت خطابًا يركز على الوحدة الإسلامية بغض النظر عن "المذهب الشيعي" الذي تدين به الثورة الإيرانية، مخاطبةً في ذلك أغلبية العالم الإسلامي وهي أغلبية "سنية" المذهب.
كما قدمت الثورة الإيرانية خطابًا جاذبًا للقوميين العرب من خلال مواقفها المعادية لإسرائيل والولايات المتحدة ظاهريًّا وإعلاميًّا، ولكن مع مرور الوقت ومع تنامي قوة إيران السياسية والعسكرية واتساع رقعة الشبكات الشيعية المرتبطة بها حول العالم بدأ الوجه المذهبي للثورة الإيرانية يظهر بجلاء، وأدى ذلك لتباعد الحركات الإسلامية السنية عنها أو على الأقل التعامل معها بتوجس وحذر، فالأمر لم يعد كما كان في السابق نجاح إسلامي في مواجهة طغيان بالغ وقمع أمني ساحق، بل صار الأمر سعي لتصدير المذهب الشيعي مُغَلَّفًا ببريق إنجازات الثورة الإيرانية في الداخل والخارج.
أمر المذهب الشيعي أو السني لا يُلفِت نظر عامة الجماهير، كما أنه لا يهم القوميين في كثير ولا قليل، وإدراك إيران لهذا جعلها تولي الجماهير والقوميين اهتمامها البالغ برسالتها الإعلامية وتسويقها وترويجها السياسي.
وهذا كله يصل بنا إلى أهم محطة في هذا المجال، وهي المنظمة التي ابتدعها الإيرانيون في لبنان وهي "منظمة حزب الله" اللبنانية، فمنظمة حزب الله في طورها الحالي تجسد التطور الأخير من خبرات الساسة والعسكريين والأمنيين الإيرانيين في لبنان.
فحزب الله وليد خبرات منظمة أمل الشيعية في لبنان التي أسسها رجل الدين الإيراني "موسى الصدر"، الذي استوطن لبنان منذ زمن طويل، ونشط نشاطًا مكثفًا على كل المستويات داخل لبنان وداخل الطائفة الشيعية اللبنانية، وتعامل من خلال منظمة أمل مع المنظمات الفلسطينية في لبنان للحصول على التدريب العسكري والأمني والتنظيمي، مثله في ذلك مثل المجموعات الإيرانية التابعة للخميني، تلك المجموعات التي شكلت الحرس الثوري وأجهزة المخابرات الإيرانية المتعددة بعد الثورة، وكان هذا التعاون كله قبل الثورة الإيرانية.
تشكل حزب الله ومر بكل الأطوار التي مر بها نظام حكم الثورة الإيرانية في إيران، فكما عادت إيران أغلب دول العالم، وتعايشت مع الحصار العالمي، ومارست أو مولت أشكالًا من العمل المسلح الإرهابي في مختلف دول العالم دون مراعاة لتسويق نفسها كدولة منضبطة ولو ظاهريًّا بالقانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة، فإن حزب الله فعل نفس الشيء، بل كان أداة إيران في ممارسة الإرهاب في لبنان ضد كل من يهدد الأهداف السياسية الإيرانية في المنطقة، ونفذ حزب الله في هذا المجال العديد من أعمال القتل والخطف والتفجير ضد أعداء النفوذ الإيراني وحلفاء أعداء إيران.
وأدى تزايد الخبرات الإيرانية ونضجها إلى تحولات بالغة في أساليب عمل حزب الله سياسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا، ونتيجة لهذه الخبرات الجديدة تم تسويق حزب الله على النحو المعروف عليه الآن من أنه حركة مقاومة شعبية وتحرر وطني معتدلة ولا علاقة لها بالجماعات الإسلامية الإرهابية، والتي طبعًا سنكتشف أنها سنية بالأساس؛ لأن الخبرات والإمكانات الإيرانية قررت أن تشمل بغطائها كل التنظيمات الشيعية في كل مكان بالعالم، لئلا يتم تصنيف أي منها على أنه منظمة إرهابية بعكس منظمات السنة طبعًا ـ لاحظ على سبيل المثال تنظيم مقتدى الصدر في العراق ـ.
واليوم عندما تتم مواجهة حزب الله بممارساته السابقة من قتل وخطف وتفجير، بما في ذلك قتل لبنانيين من قوى سياسية منافسة، يتعلل بأن هذه مرحلة لم يكن فيها الحزب قد نضج وتبلور فكره، وتكفلت الآلة الإعلامية لحزب الله ومن ورائه إيران بطمس ذاكرة ليس العرب فقط؛ بل العالم كله بصدد الممارسات السابقة لحزب الله، تلك الممارسات التي سيؤدي تذكرها إلى وصمه بأنه أبو الإرهاب في العالم.
وهذا الإطار لا يبعد كثيرًا عن التسويق السياسي والإعلامي الذي يروجه حزب الله لعملياته العسكرية ضد إسرائيل، فالحزب لا يصورها فقط على أنها مقاومة مستمرة ضد الوجود الإسرائيلي، لكنه يصور تكتيكاتها ونتائجها على أنها معجزات عسكرية غير مسبوقة، وعلى أنها لم يتمكن أحد من قبل أن يفعلها غير حزب الله بالدعم الإيراني والسلاح الإيراني، بل وبمعجزات أهل البيت على حد تعبير بعض الإعلاميين الإيرانيين، وهذا كله فيه ما فيه من تهويل وتزييف.
ولقد مثلت الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل نموذجًا لهذا التزييف والتهويل، فحزب الله حقق في هذه الحرب عدة إنجازات وانتصارات حقيقية على إسرائيل، ولكنه لم يأت بما لم يأت به أحد غيره، وهذا يظهر بجلاء إذا قارنا إنجازات حزب الله العسكرية بإنجازات جمال عبد الناصر العسكرية في حرب الاستنزاف، وفي الإعداد لحرب تحرير سيناء.
فإذا كان حزب الله نجح في استيراد السلاح وتخزينه رغم الحصار والقيود، فإن جمال عبد الناصر فعل ذلك وأكثر منه بعد هزيمة يونيو 1967م؛ إذ كان يستورد السلاح وينقله للجبهة رغم رقابة الأقمار الصناعية الأمريكية، وجواسيس أميركا وإسرائيل، وتحت قصف السلاح الجوي الإسرائيلي الذي كان يسيطر على سماء المنطقة دون منازع، كما ينبغي أن نلاحظ أن سلاح عبد الناصر كان سلاحًا ضخمًا وثقيلًا من دبابات وطائرات ومدافع وصواريخ ضخمة، بينما أسلحة حزب الله كلها من النوع الصغير والخفيف؛ مما يسهل عملية إخفائها وتمويهها، فإخفاء دبابة ليس كإخفاء صاروخ "كاتيوشا" يتم حمله باليد.
ونفس الشيء فعله السادات أثناء استكمال الإعداد لحرب تحرير سيناء، والتي تمت فعلًا في أكتوبر 1973م، بل إن السادات نجح أيضًا في تحقيق المفاجأة بالنسبة لكل من حلفائه وأعدائه على حد سواء، بشأن توقيت وتكتيكات هذه الحرب، رغم تجسس الجميع عليه.
وهذا نقوله رغم موقفنا الفقهي الذي لا يتزعزع بشأن عبد الناصر والسادات وحسن نصر الله.
على كل حال فإن الناس اليوم لا يتذكرون بطولات الجيش المصري في حرب الاستنزاف ثم في حرب أكتوبر 1973م، كما لا يذكرون كاريزما جمال عبد الناصر، ولا يذكرون زعامة السادات وشعبيته بعد حرب أكتوبر وحتى قبل مبادرته للسلام مع إسرائيل، لأن هذه كانت مرحلة تاريخية قد مرت.
واليوم يتذكر الجميع بطولات حزب الله، ويلتفون حول كاريزما حسن نصر الله وزعامته، لكن غدًا لن يذكروا ذلك كله، كما أن حسن نصر الله غدًا سيطويه النسيان كما طويت كاريزما جمال عبد الناصر وأنور السادات، وسيظهر غيره ليدعي أنه حقق من الانتصارات والمعجزات ما لم يحققه أحد من قبله.
لكن يوم القيامة سيقف الجميع أمام رب العالمين؛ فمن عمل مثقال ذرة من خير أو شر يُجز بها، ولا يظلم ربنا أحدًا.
Online Pharmacy
علِّق