خاضت الولايات المتحدة حروبا مستنزفة على امتداد العالم الإسلامي منذ عام 2001م، صحيح أن مسرح العمليات لم يتجاوز أفغانستان والعراق، ولكن أبعادها وامتداداتها السياسية والعسكرية، غطت جميع أنحاء العالم الإسلامي، من المغرب إلى مينداناو.
فالحرب على العراق تتجه نحو مخرج مقبول، ولكن ليس الحل الأمثل. والحكومة في بغداد لم تكن موالية تماما للأميركيين، ولكنها، في الوقت نفسه، لم تكن دمية إيرانية، وهذا هو أفضل ما يمكن أن يتحقق (حسب التقييم الأمني والاستخباري الأمريكي).
والحرب في أفغانستان آيلة نحو التدهور بالنسبة للولايات المتحدة وقوات حلف شمال الأطلسي. حركة طالبان تبدو فعالة وتؤثر بشكل متزايد، ومناطق واسعة من البلاد خضعت لسيطرتها. القوة في أفغانستان لم تكن كافية، وأي قوات تنسحب من العراق، سيعاد نشرها في أفغانستان. والأوضاع السياسية في باكستان المجاورة مضطربة وغير مستقرة، وهو ما سيؤثر سلبا على أفغانستان. كما بدت الولايات المتحدة كالمحبوس في مربع المواجهة مع إيران بشأن برنامجها النووي، كأنما أُغلق عليها داخل هذا المربع.
* عودة الاتحاد الروسي:
وباختصار، فإن الولايات المتحدة لا تزال "ملتزمة بشدة" بالهيمنة على المنطقة التي تمتد من العراق إلى باكستان، إلا أن عملية انتشار قواتها البرية بلغت حدها الأقصى، بينما حُبست قدرتاها البحرية والجوية لمواجهة الملف الإيراني، بقطع النظر عن إمكانية توجيه الضربة العسكرية أم لا.
ولذلك، فإنه ليس من قبيل المصادفة أن الروس باغتت الجميع باجتياح جورجيا في 8 أغسطس على إثر هجوم جورجيا على اوسيتيا الجنوبية. وبعيدا عن تفاصيل ما وقع وخلفياته، فإن الولايات المتحدة قد هيأت فرصة كبيرة للروس لمثل هذا الهجوم، إذ ليس لدى أمريكا قوات كبيرة لنشرها في أماكن أخرى من العالم، ولا حتى القدرة على تمديد فترة القتال.
علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تعتمد على التعاون الروسي لمواجهة إيران، وربما تعاونها حتى في أفغانستان، حيث نفوذ موسكو وتأثيرها على بعض الفصائل، لا تزال كبيرة. وعليه، فالولايات المتحدة بحاجة إلى الروس، ولا يمكن قطع الطريق على موسكو، ولذلك، فإن الروس اختاروا هذه اللحظة للضرب، وهي لا تريد المواجهة، ولا ترغب في عزل نفسها، وفي الوقت نفسه، لا تقبل بانفراد الولايات المتحدة بالنظام الدولي.
وهكذا، فإن الصراع الجورجي الروسي لم يكن حدثا معزولا، وإنما جاء في سياق محاولات روسيا على إنشاء هيكل جديد من العلاقات، بالاعتماد على الجغرافيا أكثر من التاريخ.
وهذه الأهداف طموحة، حيث يعتقد الروس أن الولايات المتحدة أخلت بالتوازن في العالم الإسلامي، وأن الفرصة سانحة هنا، إذا تحركت بسرعة، لفرض واقع جديد قبل أن تستعد الولايات المتحدة على الرد.
أما أوروبا، فليس لديها رادع عسكري لمقاومة الطموح الروسي، علاوة على ذلك، فإن الأوروبيين يعتمدون بشكل كبير على الروس في إمدادات الغاز الطبيعي خلال السنوات القادمة، ويمكن لروسيا البقاء على قيد الحياة دون بيع، وسيكون وضعهم أفضل بكثير من الأوروبيين في حال امتنعوا عن شراء الطاقة من روسيا. فالأوروبيون لا يشكلون عاملا مهما في المعادلة الراهنة.
وهذا يترك الولايات المتحدة في وضع صعب من الناحية الإستراتيجية، فالخلاف مع الاتحاد السوفييتي سابقا، ليس إيديولوجيا وحسب، وإنما له أبعاد جغرافية إستراتيجية.
والسياسة التي انتهجها الولايات المتحدة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة، قائمة على الاعتماد على الخيار العسكري لمنع أي قوة تسيطر على المنطقة الأوروبية الآسيوية (أوراسيا). وبالنسبة لها، كان هذا أهم عمل طوال القرن العشرين.
وأما اليوم، فإنها تواجه معضلة إستراتيجية واسعة النطاق، وخياراتها العسكرية ضد الروس، محدودة. ربما يمكنها أن تتبنى الخيار البحري، الذي من شأنه قطع الطريق على أربعة منافذ بحرية روسية، ومن غير المرجح أن الناتو سيوافق بالإجماع على فرض حصار على روسيا، الذي يمكن أن يشكل عملا من أعمال الحرب.
لكن، وفي حين أن مثل هذا الحصار من شأنه أن يضر الروس، فإن روسيا في نهاية المطاف قوة لا يُستهان بها، كما أنها قادرة على اعتماد النقل البحري ـ استيرادا وتصديرا ـ عن طريق طرف ثالث، أي أنه يمكن الحصول على السلع الأساسية عبر الموانئ الأوروبية أو التركية (أو حتى الموانئ الإيرانية). ويبقى خيار الحصار أكثر جاذبية لأول وهلة. والأهم من ذلك، أن أي عمل علني أمريكي ضد روسيا، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية.
وفي الوضع الحالي، فإن الرد الروسي يستهدف صلب الإستراتيجية الأميركية في العالم الإسلامي، وعلى هذا، فالروس مهتمون كثيرا بالحفاظ على اختلال التوازن الأميركي في العالم الإسلامي واستنزاف القوات الأميركية، فروسيا ـ في نظر واشنطن ـ لها تاريخ طويل في دعم الأنظمة في المنطقة العربية والإسلامية بشحنات الأسلحة، وليس من قبيل الصدفة، أن أول زائر على مستوى العالم لروسيا بعد المواجهة مع جورجيا، كان الرئيس السوري بشار الأسد.
وكانت هذه إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة إذا ما ردت على روسيا بقسوة بسبب أزمة جورجيا، فإن موسكو قد تشحن الأسلحة إلى سوريا، والأسوأ من ذلك بكثير(أمريكيا) إلى إيران.
وفي الوقت الحاضر، تواجه الولايات المتحدة مشكلة إستراتيجية، ففي الوقت الذي تملك فيه روسيا خيارات، فإن الولايات المتحدة لا تملك أي خيار فعال، إذ الأمر لا يقتصر فقط على أن التورط الأمريكي بالقوات البرية في العالم الإسلامي، جعلها من دون احتياط إستراتيجي، وإنما أيضا، وبفعل الترتيبات السياسية التي تغطي عمل هذه القوات، جعلها عرضة للمناورة الروسية.
فالولايات المتحدة تفكر حاليا في كيفية الحفاظ على "التزامها" تجاه العالم الإسلامي، ومقاومة إعادة بعث الهيمنة الروسية. وإذا أمكن الولايات المتحدة على الظفر السريع بالحروب في المنطقة، فإن الروس في وضع يمكنهم من إطالة أمد هذه الحروب، وحتى من دون إثارة وصخب، هذا إلى جانب أن القدرة الأمريكية لحل الصراعات وإنهائها، محدودة جدا.
إذ يمكن للولايات المتحدة زيادة حجم الجيش، ونشر قواتها في دول البلطيق وأوكرانيا وآسيا الوسطى، لإحباط الخطط الروسية، ولكن الأمر سيستغرق سنوات لبناء هذه القوات، وتعاونا نشطا من أوروبا، لنشرها، ولكن الأوروبيين بصفة عامة، والألمان على وجه الخصوص، ليست لديهم رغبة لخوض هذه الحرب.
وفي المحصلة، فإن الولايات المتحدة ليس لديها الآن ما يكفي من القوات لمنع الهيمنة الروسية على دول الاتحاد السوفيتي السابق، وإذا حاولت قطع الطريق على الروس عبر القوات الجوية أو البحرية، فإنها تواجه خطر الرد السريع من الروس في العالم الإسلامي.
ويرى مراقبون أمريكان أن على الولايات المتحدة اتخاذ قرار إستراتيجي في القريب العاجل، فإذا كانت لا تزال ملتزمة بإستراتيجيتها الحالية، في مواجهى "التهديد الإسلامي"، فإنها لا تستطيع الرد على "التهديد الروسي"، فهي مخيرة بين التضحية بالتهديد الإسلامي أو الروسي، أما أن تواجه كلا "التهديدين"، فهذا لا طاقة لها به، على الأقل في الوقت الراهن.
ولا يُتوقع من الولايات المتحدة التخلي عن خيار "التهديد الإسلامي"، إذ من الصعب أن تنسحب من هذا الصراع، الذي استمر لمدة طويلة، خاصة وأن "التهديد الإسلامي" لا يقارن من حيث خطورته على مصالحها مع "التهديد الروسي"، وأيضا فإنه لم يتضح لديها ما إذا كان الروس يشكلون فعلا تهديدا في المستقبل، ومن المرجح أن تسعى واشنطن معالجة الحالة الروسية عبر المبادرات وأنصاف الحلول.
(عن العصر)
علِّق