فعلى الخطاب الفقهي أن يكون صريحا في منابذة التبديل، بقدر صراحته في دعوة التجديد، مجاهرا بتجريم الفكرة الكافرة، بقدر تحريمه لتكفير المسلم، معلنا شجبه للتشريع وإعلان بطلانه ليسمع صوته في ضرورة الانصياع للقوانين الإجرائية والتنظيمية.
الأولى، مستحق التقديم على غيره والبداءة به ـ فعلا كان أو قولا ـ وهو في هذا العنوان "أولويات الخطاب الفقهي"، يحتضن معنى من الاستعجال والإلحاح..
وشرف الخطاب، أن الله جعله الوسيلة بينه وبين عباده، وهو عند أهل اللغة: "مراجعة الكلام أو كل كلام أريد به الإفهام"، وفيه بحكم العصر معنى من الخط الفلسفي العام أو الرؤية المتكاملة، والفقه مطلق الفهم، وهو كذلك في نصوص الوحي، قال تعالى: "قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ"، وبه قال مالك وفسره أبو حنيفة رحمه الله بأنه: معرفة النفس ما لها وما عليها، فحده الشافعي رحمه الله: "بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية".
تلك مقدمة اقتصت الحالة البدء بها للحديث عن أولويات الخطاب الفقهي المعاصر، ملتمسين في مناطق الضعف أسباب قوة، ومن حدود المنهج الأسلم كابحا مُرشِّدا في عصر السموات المفتوحة .. وليس سرا أن انقسام الناس بخطابهم الفقهي ذات اليمين وذات الشمال، خاصة في المواقف الحرجة، أربك أمتهم وأضعف موقفهم، حين انقسموا بين بان خنادق دون المحرمات، فهو يسرف في سد الذرائع، وماد جسورا مع الواقع، جاعلا من التيسير مبدءا، ربما أعماه عن النص وأعجله، فضلا عن فقهاء مازالوا في القرن 15، يعيشون بطرر وحواشي القرون الخالية، أو عاشوا عصرهم دون ترتيب أولويات، أو رتبوها دون أن يخاطبوا عصرهم بلغته.
وأشد من هؤلاء وألئك، المنبهرون بحضارة الغرب دون نظرة رويه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، فكيف يفتي المفتي، وهو منبهر بواقع أو مهزوز بحضارة.
وبداية الحديث عن نشأة الفقه ورصد تطوره وواقعه، وهو موضوع المحور الأول من هذه المعالجة، ثم تحديد هذا المفهوم من خلال مكونات هذا الخطاب، وهو موضوع المحور الثاني، تحت العنوان "الخطاب الفقهي بين مراعاة الواقع وإنشائه"، ثم تكون الخاتمة بمقترحات على هامش البحث، تحت العنوان "المبادرة الفقهية".
ولقائل أن يسأل: ما علاقة نشأة الفقه وتطوره بالخطاب الفقهي، وهو سؤال مشروع، إذ إن إنشاء الفقه شيء وخطابه شيء آخر، لكن هذه النشأة تؤثر في توجيه الخطاب، إن لم تكن المؤثر الأكبر فيه، كما سيتبين من خلال مسألتي "تحرير الخطاب الفقهي"، و"الطريقة المثلى للتفقه في الدين".
وإذ تقرر أن الفقه هو معرفة مسائل الأحكام بأدلتها التفصيلية، فإن كل حامل له على وجه البيان هو خطاب فقهي، سواء كان فتوى عامة أو خاصة أو درسا أو تأليفا أو خطبة ......، ومن مجموع الاثنين "النص وفهمه" من جهة، ووسيلة البيان من جهة، يتحدد مفهوم الخطاب الفقهي وبتشخيص الواقع ورسم الأهداف يتبين الأولى حسب نصوص الشرع وحاجات الناس وإكراهات الواقع.
* نشأة الفقه:
الفقه كما قدمنا هو الفهم أو معرفة الأحكام بأدلتها التفصيلية وغني عن القول اعتماده في الصدر الأول على الوحي "سنة وقرءانا"، ثم فهم الصحابة لذلك، وتتلمذ على الصحابة جلة من أبناءهم ومواليهم فسمعوا فتاواهم وأخذوا بحظ وافر من الوحي على تفاوت وسع دائرة الاختلاف حيث أُضيف إلى مسألتي النص وفهمه، مسألة وصوله وثبوته، وكان لهذه الأخيرة أعظم الأثر حيث تفرق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تحت ظلال السيوف في الفتح الإسلامي بين مُغَرِّبٍ خاض بحر الظلمات الأطلسي، ومُشَرِّقٍ وقف على حدود الصين وثالث أمعن في قلب أوربا، وكان لكل منهم مستفتون كُثْر في المصر أو الثغر الذي استقر فيه، في أمة آمنت بتعلق الخطاب الشرعي بكل أفعالها.
كانت الفتوى وجه الخطاب الفقهي الأبرز في ذلك العصر، على تفاوت في سماتها وخصائصها كان واضحا في رخص بن عباس وشدة بن عمر، وبانتهاء عصر الصحابة كانت علامات انحراف في المسار الفقهي بدأت تلوح حيث نقل بعض التابعين فتاوى الصحابة وأضافوا فهمهم لفتوى الصحابي، دون استحضار البعض لبعد الزمان والمكان، مما مهد لاختلاط وقائع العين، بالحكم العام، والمنسوخ بالناسخ، وازدهر علم المسائل بدل فقه الأحكام، إلى جنب منادين بالنص دون سياق نزول وفقه لغة.
ووقف الفقه بين هوى التعصب وتعصب الهوى على شفا الإنبتات من أصله لولا أن تدارك الله الأمة بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز لأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم بجمع الحديث، حيث عاد الفقه لأصوله بسبب ما جَدَّ من رحلة في طلب السنة، فتخرج من مدارس أرباب المسائل علماء فقهاء جمعوا علم النص وفهمه، فتخرج من مدرسة ربيعة الرأي فقيه المحدثين مالك بن أنس وتخرج محمد بن الحسن من مدرسة أبي حنيفة، وبتلك الرحلة المباركة حدثت نهضة علمية وصحوة فقهية عرفت فيما بعد بالمذاهب الأربعة "الحاضن الأكبر للفقه الإسلامي".
* تطور الفقه:
الفقه نشأ حقيقة بنشأة الإسلام، حين نجعله مرادفا للحكم أما حين ننظر إليه بمعناه التركيبي فهو يتكون من ثلاث عناصر "أولها النص (الوحي)، ثانيا مدلول أو فهم ذلك النص، ثالثا الواقع ببعده الزماني والمكاني والعرف"، فالحكم أو القول المستند للوحي، العارف للدلالة، المنزل لها على الواقع، هو الفقه الذي نتحدث عنه وقد تضمن نحو القرءان ألف آية في مختلف الأحكام تعتبر الأساس لتدوينه (كما كتب صلى الله عليه وسلم بعض أحكام الزكاة في ورقات، وبعث بها إلى أمراء البلاد وولاتها وكتب أحكاما في الفرائض والصدقات والديات فيه أحكام الصلاة والصوم والربا والخمر وغيرها. وقد كتب أبوبكر لعامل البحرين وأكثر عمر بن الخطاب من الكتب وعلى أبي طالب له قضاء مشهور).
ويمكن أن نعتبر بداية التدوين لهذا الفن كتاب الموطأ وكتاب أبي يوسف من إملاءات أبي حنيفة باكورة لنشأة الفقه بمدرستيه. وقد أضاف الشافعي تقعيدا جديدا سمي بأصول الفقه من خلال كتابه الرسالة، ولم يلبث أن تأثر هذا العلم مع الباقلاني والجويني الغزالي وأضرابهم بعلم الكلام، وحدوده، قبل أن يجيء الإمام الشاطبي بمقاصده ليكمل بها البناء النظري لفلسفة الفقه.
ويمكن أن نلاحظ على هامش هذا الخط الفقهي المتساوق، ظاهرية بن حزم، ومسائلية بن القاسم وزفر والمزني.
* واقع الخطاب الفقهي:
قد لا يصدق اسم الفوضى على شيء مثلما يصدق على الخطاب الفقهي الراهن، والعجب أن هذه الفوضى لم تأت من قبل اختلاف على مبدأ، كالتدرج، ولا تقديم الأولى، ولا مرحلية الخطاب النسبية، مما جعل هذا البحث يركز على آليات الخطاب أكثر من التركيز على خصائص هذا الخطاب ومنهجه، ولئن كان كثير مما أصاب المسلمين هو بضعف التنشئة الفقيه، فإن لارتباك الخطاب الفقهي الأثر لأكبر من ذلك، وسببه هو ضعف الثقة في المؤسسة المنتجة لهذا الخطاب، ومرد تلك العلاقة الواهنة هو كثرة الضغوط التي تواجهها هذه المؤسسة من رأي الشعب وتغول السلطة واستقطاب الإسلاميين، ولهذا "خصص البحث" كلمة عن تحرير الخطاب الفقهي، كأولوية قصوى، ليسمع الناس فقيها خالصا، يعارض منكرات الشعب، كما يحارب جور السلاطين وانجراف أو استعجال الصالحين، فيسمعون خطابا فقهيا لا يرجفه سجن سلطان ولا يداهن توجه شعب، ولا استقطاب حركة فيسمع الناس صرامة الحق لا صخب الموقف.
* أولويات المضمون:
كما نلاحظ لم يكن الفقه، نصوصا جامدة لا تحفل بواقع، ولا يهدف لمقصد، بل كانت جهدا جبارا لبيان طرق إقامة علاقات عباد الله على أرض الله وفق مراد الله لتحقيق مصلحة الدارين، فالعلماء ليسوا مشرعين وإنما هم مظهرون لشرع الله، موقعون عنه، ولهذا يمكن إعادة الأولويات العامة إلى هذه المسائل الثلاثة:
أ) التأصيل: بقدر ما هو أولوية في إنتاج الفقه، فهو أولوية في خطابه، تربية لمستمع، وتبصيرا لحائر، وإقامة لحجة على معرض، وكسبا لثقة، وامتثالا لقوله تعالى: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" [1].
ب) معرفة الواقع: بدأ الفقه متساوقا مع الحق والصواب حين كان ينطلق من نص ثابت لينزله على واقع معلوم، حسب يسر المخاطب وعسره، وشدته وضعفه وبعده من ديار الإسلام وقربه، ومع تشعب الفقه وتعدد وتعقد الواقع، أصبح هذا الجهد مرهقا لشخص واحد، فكان لا بد من الاجتهاد الجماعي [2] كحل مؤقت ريثما يقف الفقه التخصصي على قدميه كما يتبين لاحقا.
ج) الواقعية: الواقعية في الخطاب الفقهي هي محصلة للمسألتين المتقدمتين، معرفة الدليل ثم معرفة الواقع، ومن خلال هذه العملية يدخل، مبدأ التدرج، والتيسير أو التشديد، وتقدير المصلحة والمفسدة ويفرق بين الثابت والمتغير، ولا يمكن أن يتخذ اليسر والشدة مبدأ، ولا المتفق عليه والمختلف فيه، ولعل في فتيا بن عباس للقاتل عمدا وصلاة بن عفان أربعا بمنى ما يلمح لذلك.
وهذا المبدأ يطبق على مفردات الخطاب الفقهي تحت العنوان التالي:
ـ الخطاب الفقهي بين مراعاة الواقع وإنشائه:
آثرت الورقة استعراض آليات الخطاب الفقهي كجزء من الطابع العملي لها ونجملها في ستة " الفتوى .. والتأليف .. المحاضرة.. التدريس.. خطبة الجمعة .. الرسالة .. ويتأجل الحديث عن هذه الأخيرة إلى الحديث عن المبادرة الفقهية" وكل هذه المفردات الستة يعتريها من الإشكالات عند مراعاتها لواقع المخاطبين حين تأخذ بالتيسير، انطلاقا من واقع ضاغط فإنها تساهم في استمراره وتغلق الطريق أمام البدائل، وحين تأخذ بالشدة لتنشأ واقعا صالحا عن طرق إدانة الواقع ومقاطعته ربما شددت في موسع، وأوقعت في الحرج المنفي بالنص وقد انقسم الفقهاء بإدراكهم لهذه الحقيقة أو عدمه بين مراع للواقع على حساب صرامة النص و واقف مع النص رغم دخول الواقع في باب الضرورات البينة.البين كما يتبين من خلال آليات الخطاب.
الآلية الأولى: الفتوى
تعتبر الفتوى من أشهر الآليات الحاملة للخطاب الفقهي، وما يهم منها هنا الفتوى العامة خاصة المذاعة وفتوى الانترنت، حيث يصاحبها الارتجال وعامل الوقت واختلاف البيئة، حيث يرد السؤال من غابات الجزائر، والثاني من كوبنهاكن والثالث من بيكين ويكون المفتي في مكان رابع، مع استعجال الصحفي وضغط الوقت بل قد يكون للعبارة في البلد الواحد معنى مشككا، وقد سألت امرأة على الهواء العلامة المحدث اليدالي بن الحاج أحمد ليلة العيد ـ على ما أظن ـ عن حكم الخط، فأجاب: "كان نبي من أنبياء الله يخط، فمن وافق خطه فذاك، إن كان بإمكانك أن ترسمي نفس ذلك الخط الذي كان يرسم ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فنعم، وإلا فأنصحك بتركه، وقد كانت المرأة تسأل عن وشي اليدين وتزويقها بخطوط الحناء، فأجابها عن الخط في الرمل".
وأولويات هذا الصنف من الخطاب تجمل في نقاط:
ـ التفريق بين نوعين من الفتاوى "أولاهما الفتوى الحضارية"، وهي الفتوى العامة في القضايا الكبرى، وهذه لابد تكون منشئة للواقع الإسلامي المنشود ولكن بعد استشراف المستقبل ومعرفة الواقع، وكم من مجال كان استبدال هذه الفتوى بالفتوى الخاصة معوقا لجهود أو مدمرا في بعض الأحيان ..
ولنأخذ نموذجين لتوضيح الفكرة "الفائدة البنكية" ومسألة "اللحوم المستوردة" .. حين حزم الفقه أمره وأصدر حكما بأن الأولى هي الربا المحارب من الله "اضطر هذا التشدد الإيجابي، العقول المسلمة نحو التنظير لمؤسسات مالية إسلامية، واكبها سعي عملي لإقامتها، ما كان هذا الجهد سينجح لو أخذت الفتوى الخاصة سبيلها للانتشار".
أما المسألة الثانية، فلتردد الفتوى أحيانا ومراعاتها للواقع أحيانا أخر، لم يكتب لمؤسسات الأطعمة الحلال من النجاح ما كتب للمؤسسات المالية، رغم ما تحمل من فرص عمل وطهارة مطعم وتواصل مغتربين.. ولعل أوضح مثال على خطورة الخلط بين الفتوى الحضارية والفتوى الخاصة، هو احتلال ثلث العراق دون قطرة دم أو زخة رصاص أو نسمة عزة، بسبب فتوى السيستاني "كفوا أيديكم"، في وقت تقتضي الفتوى الحضارية فيه "فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين" [3] ..وأظن والله أعلم، أن لفتوى مالك بوجوب تعلم الفاتحة واشتراط الفصحى في التعبد وتحريم ترجمة القرءان، أثرا بالغا في تعريب المناطق التي انتشر فيها مذهب مالك، المغرب العربي وإسبانيا البرتغال وبعض الجنوب الفرنسي سابقا، بخلاف المناطق الأقرب التي انتصرت فيها مذاهب أخرى، إيران أفغانستان تركيا مثلا.
ـ الفتوى المراعية للواقع: لا اشك أن خطاب القرءان ثم الواقعية التي أسلفنا، يقتضي أن هناك حالات الضرورة يباح فيها المحظور، وأن طوائف من الأمة تجد نفسها في واقع لا يمكن أن تجابهه أو تصبر عليه "يريد الله أن يخفف عنكم"، "وما جعل عليكم في الدين من حرج"، ولهذا، فإن الصنف الأول من الفتوى قد يسبب حرجا لفرد، كما أن الفتوى المراعية للواقع، قد تضيع فرصا وتؤخر مشاريع.
الآلية الثانية: التدريس
لا جدال أن التدريس بكل أنواعه هو نوع من الخطاب الفقهي، وما يهمنا أولا، هو مسألتان مرتبطتان بالجانب العملي، أولاهما منهجية التدريس، والثانية أولوية التنبيه.
أ) ما المنهجية المثلى للتفقه في الدين؟ كثرة الإجابة عن هذا السؤال تدل على إلحاحه المشروع، وقد أجيب بأربعة طرق "أولها دراسة الحديث بفقهه، والثانية دراسة الفقه بأدلته، والطريقتان وإن بدتا وجهان لعملة واحدة، إلا أن الأولى تخرج عالما أقل سعة في الفقه، بينما تخرج الثانية فقيها أكثر خروجا على النص".
وهناك من أخذ النص دون لغته وسياق نزوله وتفسير حامليه، واعتمد أصحاب المنهج الرابع المسائل دون أصل معلوم، والطريقتان الأخيرتان على جانب عظيم من الخطأ، إذ إن انتزاع النص من سياقه ولغته محض تحريف وتعبد الله والتحريم والتحليل بأقوال لا يعلم أصلها عين التخريف.
وهنا قد يُسأل: ما علاقة الخطاب الفقهي وأولوياته، بالطريقة المثلى للتفقه، وبسذاجة يجاب، طريقة التفقه هي المنتج في النهاية للفقه، وبالتالي هي المؤثر في الخطاب الفقهي، فكان من الأولويات تبيان خطإ منهجين ليجتنبا، والتنبيه على سلبية تصاحب منهجين سليمين، ليتحرر الخطاب الفقهي منها في نشأته.
ب) من أولويات المدرس، أن ينبه على المستجدات، وفقهها، والأماكن وخصوصياتها، والأمر لا يحتاج إلى كبير عناء، وإنما يحتاج إلى دربة مع اختلاف في الأبواب، حيث بيان الحكمة أولى في العبادات، بينما التعليل أولى في باب المعاملات، وتوسيع هذا الأخير ليشمل المعاملة مع البيئة، والكون ومستجدات الحياة مسترشدا بقول البزرلي: "وأكثر الوقائع في آخر الزمان واقعة فيما قبله، بل تفتقر للحفظ والفطنة من تطبيق الواقع على ما حفظته" [4].
ـ الآلية الثالثة: التأليف
في التأليف لا يعجل وقت، وتعتبر من أولوية المؤلف أن يبسط لغته ويربط بالدليل، والواقعية التي تقتضي مخاطبة الناس بأحكام المدن قبل البدو، والفقه البيئي قبل حريم الآبار، وقد آن الأوان لاستحداث أبواب في صلب الفقه عن أحكام البيئة، ومستجدات العصر، وقوانين السياقة، والصرف الصحي، وما يُعتبر من التفريط في العمل وما يلغى. وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه المواضيع بُحثت، لكنها مازالت مغيبة عن المؤلفات الفقهية السيارة، ولا مانع في البيئة الموريتانية التي تحتفي بالنظم وتقدسه، من إنشاء أنظام في حكم هذه المستجدات.
الآلية الرابعة: المحاضرة
وهذه لم توضع بالأساس للخطاب الفقهي بمعناه الاصطلاحي، بيد أنها لا يمكن أن تظل مقتصرة على التوجيه إلى تطبيق الشرع دون بيان لذلك التطبيق، ولهذا كان لزاما عليها أن تحمل خطابا فقهيا كل حسب البيئة والظرف، على أن لا يطغى عليها حتى يخرجها عن مهمتها ودورها، ويمل السامعون في تفاصيل جزئية قد لا يحتاجون إلى كثير منها.
الآلية الخامسة: خطبة الجمعة
وهذه لها أهمية خاصة، فهي متكررة وإلزامية ومباشرة، ولكن ينبغي أن تحمل من الخطاب الفقهي ما دعت الحاجة إليه وارتبط بالحوادث، كأحكام الصيام في الخطبة التي تسبق رمضان أو الحج أو أحكام الصلاة، وما يجب حفظه من القرءان في الصلاة في بيئة تحتاج إلى ذلك أو الجريمة حين تنتثر، مع ملاحظة أن الخطاب الفقهي فيها إنما يكون تبعا وفي أثناء الخطاب الوعظي والإرشادي.
* أولويات عامة:
ـ أولوية الأولويات:
تعتبر إعادة الفقه إلى حضن الشريعة، أو بمعنى آخر إشعار المخاطب أنه مسؤول عن علمه وواقعه، قبل الترخص له أو التشديد عليه، هذه أولوية لأسباب: أنها منهجية القرءان،ولنكتف بنص واحد في شأن العلاقات بين الزوجين (من قوله تعالى ويسألونك عن المحيض إلى قوله: كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون [5])، حيث تخلل الوعظ والتذكير بالتقوى كل هذه الأحكام.
والفقهاء حين دونوا مسائل الأحكام خلية عن سياق التذكير، فطنوا لسلبية المنهج، فأنشأوا علما مستقلا، هو فقه السلوك، والأولى دمج هذين الفنين، يقول بن الجوزي: "ومن ذلك أنهم جعلوا النظر جل اشتغالهم، فلم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرءان وسماع الحديث وسير الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير" [6].
ـ تحرير الفقه:
1- التقليد:
2- التعقيد
3- السلطة
هناك أولويات عامة، يعتبر تحرير الفقه من أشدها إلحاحا من هذا الثلاثي الذي يرزح الفقه تحته فينشأ منشطرا في حسمه بين واقع ولَّى قبل ألف سنة والواقع القائم الآن بسبب التقليد، وضائعا بين فم وصحف الفقيه وأذن السامع وعينه بسبب التعقيد، ومترددا في مواطن الحرج بسبب التهديد.
1ـ مسألة التقليد:
حقيقة التقليد قبول قول غير المعصوم دون دليل "والتقليد ليس طرقا للعلم ولا موصلا له لا في الفروع ولا في الأصول"، كما يقول القرطبي [7]، والذي يقصد هنا هو الإفتاء في وقائع العصر بفتاوى العصور دون تنبيه على فارق عادة أو تغير حال، وأكتفي بأمثلة ثلاث:
أفتى أبو حنيفة رحمه الله "أن من شرط الجمعة، أن تكون القرية على ماء جار نهر أو بحر"، وأفتى بعض علماء الترارزة والعلامة عبد الإله الشنجيطي [8] "بعدم جواز الوضوء في نواكشوط بالنسبة للأول وفي الحوض الشرقي بالنسبة للثاني" [9]، وأفتى معظم فقهاء الإسلام بعدم وجوب التداوي واكتفوا بندبيته.
والواقع أن أبا حنيفة أفتى بتلك الفتوى، أهل دجلة والفرات، ولا تتقرى القرية [10] هناك أيامه إلا على ماء جار، أما الفقيهان الشنقيطيان، فأفتوا بدوََا لا يجدون ما يستر جسدا ولا يكن من برد، ولا يشفى من نزلة صداع ـ لا يجدون كنا ولا سخنا ـ بالتعبير الفقهي، وفي مسألة التداوي أفتى الجمهور في طب لا يستقيم لتجربة ولا يستند لعلم، وانظر خطورة هذا النوع من التقليد، حيث تبطل بمقتضى الفتوى الأولى صلاة أهل المدينة – النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته - وتُسقط الفتوى الثانية الفرض عن مستطيع، وتبيح الثالثة قتل المرء لنفسه، فضلا عن ظلمها لهؤلاء العلماء وتقويلهم لما برأهم الله منه وكفى بتلك النتيجة كارثية.
2 ـ مسألة التعقيد:
للفقهاء الحق كل الحق أن يتخذوا موقفا من الأدب، لكن أن ينعكس ذلك حتى يمس البيان الذي هو مقصد من مقاصد الشرع، فذلك محل اعتبار!! صحيح أن للفقه اصطلاحاته، ولكلماته مدلولات محددة تحميه من التأويل، وقد دفع عملاق الفكر الإسلامي وعنوان الشهادة سيد قطب، ثمن إطلاق العنان لأدبيته في فقه السلوك ومباحث الإيمان، من خلال ما ادعي عليه بسب إطلاق في العبارة عليه رحمة الله ومغفرته ورضوانه.
يرجع كثيرون جهارة بن حزم وجاذبية خطابه إلى قوة المنطق والدليل، وهو أمر صحيح، لكن السبب الأهم هو بعده الأدبي ووضوح عبارته وجلاء معانيه، وقد يقال إن ذلك من أصوليته، فكتاب الله بيِّنٌ مع شدته وعمقه والسنة واضحة.هذا وكثير من التعقيد منشؤه كثرة التفريع أو التقليد في العبارة، ولهذا فأولوية هذا الخطاب أن يعبر لعصره بلغته التي يفهم ويتحقق بها البلاغ، وقد كتم علما من أداه بلغة لا يفهما السامع وهو مستطيع أن يفهمه بلغته.
ـ مسألة السلطة:
هناك ثلاث سلطات، تتفاوت في سيطرتها على الخطاب الفقهي وتأثيرها فيه، بحسب اختلاف المكان والمنتج لهذا الخطاب، وأول هذه السلطات هي الشعب، الذي يريد من الفقه أن يدافع عن مصالحه ويتغاضى عن فساده، والسلطة الثانية، هي الدولة التي تريد الفقه خادما لأهدافها ومروجا لتوجهها، وناس من مختلف الإسلاميين الذين يريدون للمفكر والسياسي والمقاتل أن يقرر وللفقه أن يبرر، وللأسف يقع كثير من ذلك. بل بلغت هيبة الفقهاء في أوساط الرأي العام، أن فقد في ظروف غامضة خطاب الناس بالتذكير بنعم الله، وضرورة حمده، والثناء عليه، بعظيم ما من به وضخامة وهول ما دفع.
ولو علم هذا الثلاثي أن استقلال الفقه أصلح له، لنعم الجميع بصوت الشرع الذي ينصف مظلوم الشعب، وسجناء الحق، وأمراء الصدق. وقد نعمنا في موريتانيا بالعلامة بداه بن البوصيري زمنا ـ والحمد لله ـ أطال الله بقاءه.
* المبادرة الفقهية:
والأولوية بعد تحرر الخطاب الفقهي، أن يأخذ زمام المبادرة، فيكون جزءا من صياغة الواقع وعضوا من أساسياته،، فينشأ مراكز للبحث في كل المؤسسات، المشمولة بخطاب الله عز وجل.
مؤسسات لمراقبة الدولة والشعب ومراسلة المسؤولين، و تبصير الطلاب كلٌ في مجاله، والحديث في مناطق الاشتباك بالغة الحساسية كما تستعرضه العناوين التالية:
1- الفقه العلمي:
أثنى الله عز وجل على نفسه أنه "أحسن كل شيء خلقه"، أي أتقنه، وقال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله عبدا مؤمنا إذا صنع شيئا أتقنه"، وعن إتقان الجانب الدنيوي البحت، يقول الإمام الجويني: "حق على كل من يحاول الخوض في فن من العلوم أن يحيط بالمقصود منه وبالمواد التي منها يستمد ذلك الفن وبحقيقته وحده" [11]، بينما يبين الأخضري [12] الجانب الحكمي، بقوله: (ولا يحل له أن يعمل عملا حتى يعلم حكم الله فيه).
نظرا لذلك وإلى تعذر إحاطة الفقهاء القائمين بتفاصيل القضايا العلمية، كانت طبية أو تجارية أو بيئية، وتعذر تفرد المختصين في هذا للفقه العام، كان من الأولويات إنشاء أقسام خاصة في كل المجالات العلمية، قسم الفقه الطبي في كلية الطب، والفقه الاقتصادي في كليته، فيتعلم الطالب الجراحة الدقيقة وأحكامها، الممارسة الطبية وأحكامها، الجراحة التجميلية، وسر المهنة وحالات حرمة وجواز إفشائه، التجارة وأحكامها، البحث البيولوجي وأحكامه، الضمان في البحث العلمي، التزوير في الصناعة، القضاء في الأخطاء العلمية، فنخرج فقهاء أتقنوا أحكام مهنتهم وتفوقوا في مجالاتهم، مع ملاحظة أن تكون المادة الفقهية مادة أساسية، مستفيدين من القول بتجزؤ الاجتهاد، وأن القضاء لا يشترط فيه التعمق في مسائل العبادات [13]، ولن يكون الفقه عائقا عن تقدم ولا حاجزا أمام تطور.
وإلى تلك اللحظة، تبقى الأولوية للفتوى الجماعية، يقول محمد سليمان الأشقر [14]: "والتداول بين أهل العلم سنة متبعة فيما يحتاج إلى استنباط حكمة من الأمور المهمة التي تجدُّ في حياة المسلمين وتمس جمهرة واسعة منهم، مما يدخل دخولا أوليا في قوله تعالى "وأمرهم شورى بينهم"".
2- الرسائل الفقهية:
كتب صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا، والفقهاء اليوم مدعوون، أن يكتبوا للمؤسسات الخارجة عن الضوابط، على أن تراعى في هذا الخطاب ثلاث أولويات:
أ) السرية، وهذه أضمن للوصول إلى الغاية، حين تأتي رسالة من فقيه إلى مدير شركة تتحدث عن خطإ يرتكبه، لا ليشنع عليه بل ليرشد في سره إلى ما هو أرشد، فيكون ذلك أدعى للقبول وأبعد عن الإثارة وأحسن للدعوة، وما أظن البداءة بالجهارة بالنكير، إلا إغراء به ودعوة للعزة بالإثم من حيث لا يفقه الفقيه.
ب) البيان: يجب على الرسالة أن تنبه إلى وجه الخطأ ووجه تخطئته إن كان من طريقة عمل، أو حقيقة مستورد، أو علاقة بزبون أو تولية غير كفؤ أو إرشاد لأكفأ، ومن البيان تبيان الدليل وذكر العنوان للمراجعة والتشديد على طبيعة سرية الأمر، وعدم قبول الإهداء بعد النصح.
ت) تقديم البديل الشرعي، وأن يطلب من المختصين بيانه.
ولنأخذ مثالا، رسالة موجهة من أحد العلماء إلى تاجر يستورد مواد التدخين، أو بضائع منتهية الصلاحية، أو يستورد من الصهاينة، مال الغير، أي مال الفلسطينيين، باعتباره مالا مغتصبا.
ومفيدة جدا الحاضرات حول تجريم تزوير الأدوية، لكن الخطاب الموجه بوعظ وسرية وتحديد، أكثر أثرا وأجدى نفعا، وحين يكسب الفقيه ثقة أكبر، مبعثها الانحياز للحق والاستقلال عن الخلق، فيمكنه التلويح حينئذ بخطاب من نوع آخر، هو مقاطعة، المدراء المرتشين، ومستوردي البضائع الرديئة، إن أثبت أهل الاقتصاد ضررها العام.
3 ـ الفصل في القضايا الكبرى:
مما أضعف الخطاب الفقهي، عدم صرامته في القضايا الكبرى، خاصة التي تمس واقع الناس، فينقسم الخطاب الفقهي بحسب التيارات المعنية، دون أن يأخذ موقفا وسطا جادا، لنأخذ مثلا، ثلاثة من هذه القضايا الكبرى:
إشكالية التحديث
إشكالية القوانين
مسألة التكفير
حين نستعرض صوت الخطاب الفقهي، فإننا سنجده متماهيا إلى أبعد حد مع المواقف القائمة، وكان حريا به أن يتخذ موقفا فصلا، يفيء إليه الشعب لصراحته مع السلطة، وتخافه السلطة لوجاهته عند الشعب، فحين تنظر مسألة التحديث، تجد الخطاب الفقهي فيها مرددا لأحد موقفين، ران للغرب، يحاول تضييق مجال الدين ويستحي من الغيب ويسرف في التحرير، وخطاب رافض، بلغ به الرفض أن جرم فرنسة الإسلام، وأسلمة الموضة والانترنت.
وفي مسألة القوانين، نجد موقفا رافضا للتقنين، يعتبر كل تقنين ـ إجرائيا كان أو تنظيميا ـ هو تشريع لما لم يأذن الله به، وكأنه لا يمكن تجريم تقنين دون آخر، وعلى الجانب الآخر ترى التشريع حقا للشعب، ممارسا بالمراسيم الصادرة منشئة للبنوك الربوية، وموقعة على اتفاقيات تجرم القرءان وتبدل الشرع ودساتير تعطي الحاكم صلاحيات لم تعط لأنبياء الله مجتمعين.
بينما تجد الخطاب الفقهي في مسألة التكفير، يجرم حتى تكفير من ناقض الإسلام وسب الأنبياء، وبدل حكم الله، فيوهن جانب الإسلام وآخر يكفر من لم يكفر من كفره ظني أو متوقف على بيان أو إعذار ثم يكفر من لم يكفر من لم يفكر ذلك وهكذا دوليك ..
ولو أن الفقه استقبل من أمره ما استدبر، لجاهر الكل بالنكير، فطلب من السلطان تغيير عمومات القوانين الخطيرة، وطالب المنتفض بالانصياع للإجراءات والمراسيم المنظمة، والتي تعارف عليها المسلمون.
فعلى الخطاب الفقهي أن يكون صريحا في منابذة التبديل، بقدر صراحته في دعوة التجديد، مجاهرا بتجريم الفكرة الكافرة، بقدر تحريمه لتكفير المسلم، معلنا شجبه للتشريع وإعلان بطلانه ليسمع صوته في ضرورة الانصياع للقوانين الإجرائية والتنظيمية.
وأخيرا.. فإن هنالك بوصلة حق لا تخيب، وميدان صدق لا يهلك الجاري فيه، هو كتاب الله عز وجل وبيانه من السنة، وفهم الراسخين من سلف الأمة، ولن يزال الخطاب الفقهي بخير مادام منطلقا منه في أحكامه، متساوقا مع مقاصده ملتفتا إلى تعليله وحكمه ... متحررا من ضغط الواقع مبصرا له، سليما من فلسفات الكفر وتساؤلاته التي أبحت صوت الفقه بترهات لا حقيقة لها شغلته بالرد عليها برهة، وأحرجته بممالئتها أخرى، وأخرجته عن عدله بالإفراط في إنكارها أُخر.
محمد عبد الله بن الشيباني / باحث شرعي موريتاني
[1] ـ سورة البقرة: الآية 111
[2] ـ محمد الحبيب الخوجة ( وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية ص:48)
[3] ـ سورة القرة: الآية 191
[4] ـ أحكام البرزلي/ مخطوط / الخزانة الملكية برقم 4841.(نقلا عن الحبيب خوجة في بحث ضمن كتاب وجوب تطبيق الشريعة).
[5] ـ سورة البقرة من الآية 222 إلى الآية242
[6] ـ تلبيس إبليس /133/ مكتبة الصفا ط.2001
[7] ـ الجامع لأحكام القران ج 1-212
[8] ـ هو عبد الله بن أحمد بن الحاج الغلاوي (الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ص: 91)
[11] ـ يقول: "ولم يجز لأحد وعمم * في الحوض مطلقا سوى التيمم"
ضرر ما صح عن تجريب ** بخبر العالم والطبيب
[12] ـ أفتى الإمام مالك باشتراط أن يتوفر ما تتقرى به القرية عادة
[13] ـ البرهان ص: 5 دار إحياء التراث العربي ط بتاريخ 2002
[14] ـ مختصر عبد الرحمن الأخضري المالكي المغربي ـ المقدمة
نقلا عن:
http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=10281
علِّق