عبود الزمر يكشف أسرار علاقة الشرطة بالجماعة الإسلامية

نشره moneep يوم ثلث, 2008-07-01 12:22.

كما لا يستطيع النظام المصري أن يعيش بلا قانون الطوارئ فإنه أيضاً غير قادر علي الإقناع عبر السبل المشروعة، فيلجأ إلي السياسة القمعية ليحسم بها القضايا التي تستعصي علي الحل!! ومما لا شك فيه أن التيار الجهادي كان من بين أهم قضاياه التي شكلت تحدياً أمام تجاوزاته التي فاقت الحدود.. وتصاعدت وتيرة الصراع بين الجماعات المسلحة وبين النظام في أعقاب مصادره الدعوة واقتحام المساجد وسلسلة طويلة من الاعتقالات التي شملت كوادر كثيرة من أبناء الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في بداية فترة التسعينيات، مما جعل النضال المسلح هو الطريق الوحيد أمام الشباب ليستعيد كرامته ويثأر لحرمات انتهكت ودماء أهدرت وأموال سلبت.
وبدأت وزارة الداخلية في عهد اللواء الألفي بوضع سياسة تهدف إلي محاصرة هذه الجماعات وفتح باب الإفراج عن الأمراء إذا أعلنوا توبتهم وتبرأوا من الأفكار التي يعتنقونها بعد أن تتم مناقشتهم في ندوات عامة، ولكن ذلك التوجه باء بالفشل لأن القاعدة العريضة من الشباب فضلت الصبر والتحمل علي أن يقولوا كلاماً لا يوافق عقيدتهم، وبالفعل صمدوا أمام مغريات الحياة واختاروا البقاء في السجن أعزاء شامخي الرءوس، وخرج اللواء أحمد العادلي من منصب مدير مباحث أمن الدولة وتولي بعده اللواء حبيب العادلي مديراً لمباحث أمن الدولة وبدأ في تطوير خطة جديدة لقمع المعتقلين في السجون المصرية وإجبارهم علي التراجع والانكسار تحت وطأة التعذيب الوحشي المنظم، وأطلق علي خطته اسم «اقتحام الجماعات الإسلامية» وتم التصديق عليها من وزير الداخلية الذي حملها بدوره إلي رئاسة الجمهورية ليأخذ الموافقة النهائية علي الخطة وبدأ التنفيذ الفعلي من خلال عدة مراحل.
 المرحلة الأولي وتسمي اقتحام «1» تتمثل في استمرار الاعتقال وعدم السماح بالإفراج عن أي شخص، ولو حكم القضاء له بالإفراج، إذ يتم وضع المفرج عنه في عربة لوري تقف وسط فرق الأمن المركزي لمدة أسبوع ثم يعود إلي محبسه معتقلاً من جديد، وكانت هذه الظروف قاسية جداً حيث يتعرض الشخص إلي قدر كبير من الإرهاق البدني لوجوده في عربة بلا ماء وفي حرارة الجو الشديدة ويسمحون له بالطعام والشراب الذي يحفظ له حياته كحد أدني، وكذلك تم منع الزيارات عن المعتقلين واستمرار حبسهم في غرف ضيقة لا تسمح لهم بمجرد النوم إلا عن طريق الورديات التي يجلس البعض أو يقف علي أن ينام البعض الآخر وهكذا.. ومنعوا عنهم وسائل الإعلام والكانتين والكافيتريا وكذلك تقليل الطعام المنصرف لهم حتي يشعروا بألم الجوع يعتصر أمعاءهم، وقطعوا عنهم الكهرباء حتي يعيشوا في ظلام دامس، ومنعوا المصاحف والكتب الشرعية والدراسية، وأوقفوا التقديم إلي الكليات وحالوا دون أداء الامتحانات بالجامعات والمعاهد والمدارس وأهملوا العلاج الطبي حتي يتلوي المعتقل من ألم الأسنان أو من المغص المعوي أو الكلوي أو الصداع النصفي، وتركوا الجروح تتقيح، وحرموهم من الفسحة التي يتعرض فيها الإنسان لأشعة الشمس ويتريض لبعض الوقت، فعلوا كل ذلك وانتظروا نتيجة الخطة فتساقط عدد قليل جداً تحت هذا الإرهاق النفسي والبدني فطلبو النقل إلي عنابر أخري، وأكدوا أنهم تخلوا عن معتقداتهم وتابوا.
2 ـ المرحلة الثانية وتسمي اقتحام «2» وهي تهدف إلي التأثير النفسي علي مجموعة 1981 كي تتدخل لحل مشكلة السجون التي تعاني حالة من القهر والظلم الذي لم يسبق له مثيل، حيث كانت الوزارة تستبعد مجموعة 1981 من أعمال المرحلة الأولي فلم تقع عليهم تعديات في ذلك الوقت بل كانوا يعيشون حياتهم بشكل عادي طبقاً للوائح الخاصة بمصلحة السجون ومن خلال المستشفي التابع لليمان طرة وصل العديد من المصابين ومعهم الأخبار عن الحملات التأديبية التي كانت تتم بشكل دوري علي السجون فتذيق المعتقلين من ألوان العذاب الجماعي بالضرب المتواصل لساعات طويلة تشمل جميع المعتقلين في السجن حتي يغمي علي البعض ويحملون إلي الحجرات وقد سالت الدماء وتورمت الأجساد وعلتها الزرقة أو الحمرة.. وتفتق ذهن اللواء العادلي عن فكرة تضاف إلي المعلومات التي وصلت إلي قيادت 81 بطرة وهي أن يتم الإفراج عن الذين أمضوا خمسة عشر عاماً منذ 81 بعد انتهاء أحكامهم في موعدهم المحدد ولكن ليس إلي المنازل بل إلي السجون الأخري ليشاهدوا بأنفسهم بل ليتعرضوا إلي حفل الاستقبال الذي يتعرض فيه المسجون أو المعتقل الجديد إلي ضرب تأديبي مبرح يجعله يدخل إلي السجن منكسراً، وبالفعل تم الإفراج عن المجموعة التي أنهت الأحكام في أكتوبر عام 1996 وتم توزيعهم علي السجون بواقع كل اثنين في سجن ثم أعادهم مرة أخري إلي سجن ليمان طره بعد مرور نحو شهر أو شهرين من المعاناة والمشاهدة التي تم نقلها إلي باقي إخوانهم في سجن ليمان طرة فشعر الجميع بالمحنة التي يتعرض لها المعتقلون في السجون الأخري، وفي الوقت نفسه بدأ ضباط أمن الدولة يؤكدون أهمية تدخل مجموعة 81 كقيادة تاريخية لإنقاذ زملائهم مما هم فيه، حيث مات نحو مائة شخص من المعتقلين خلال هذه السياسة القمعية.. واللافت للنظر أن مرحلة التعذيب التي كانت تتم عام 1981 كانت بهدف الحصول علي المعلومات، فمتي تم الحصول عليها لا يتعرض المقبوض عليه لأي نوع من الايذاء البدني، ولكن الجديد في السياسة القمعية كان الهدف منها القضاء علي الجماعات الإسلامية وقهرها وتحطيم إرادتها، وكانت آلات التصوير العلنية تلتقط أشرطة كاملة لعملية التعذيب الجماعي التي كانت تتم في فناء السجن، مما يؤكد أن الأمر ليس تصرفاً فردياً من ضباط مرضي نفسيين بل كانت تعرض هذه الاشرطة علي إخصائيين في جهاز مباحث أمن الدولة لتقويم الأثر النفسي ومقدار الصمود المتوقع والانهيار المحتمل، ووصلتنا الرسالة التي أرادت أمن الدولة أن يشعرنا بها، ولكننا أوصينا بالصبر والثبات إلي أن يجعل الله لنا مخرجا. ولم يمر وقت طويل حتي أصدرت القيادة التاريخية مبادرة وقف العنف في 5/7/1997 ولم تكن هذه المبادرة وليدة موقف ضاغط بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لتقدير موقف جديد بدأ منذ تصعيد أعمال القتال في 1992 ومحاولات التدخل من جانبنا كوسيط لحل أزمة الصراع الدامي الذي تنامي أمام إصرار السلطة علي عدم الإفراج عن المعتقلين واستمرار عملية اضطهاد التيار الإسلامي وأيضاً أمام تصميم العناصر المسلحة للجماعة الإسلامية والجهاد علي إجبار الحكومة المصرية علي الالتزام بأحكام القضاء الصادر بشأن الإفراج عن المعتقلين وإفساح المجال أمام العودة إلي الدعوة العامة، طبقاً للحقوق التي كفلها الدستور لأبناء هذا الوطن، أفلت الزمام من الجميع وتساقطت الضحايا وتعثر الاقتصاد المصري وساءت الأوضاع الخاصة بحقوق الإنسان وازداد عدد المعتقلين.. ولقد كان للأوضاع الدولية الجديدة أثر بالغ في اتخاذ خطوة المبادرة، لأن الأمر يحتاج إلي تغيير أساليب العمل المعتمدة بعيداً عن حالة التصعيد القتالي التي أصبحت عبئاً علي الجميع، فكان هدف العودة إلي الدعوة العامة وممارسة العمل العام في المساحات المشروعة مطلباً أساسياً نسعي من خلاله إلي المشروع الإسلامي الذي قمنا من أجله وضحينا في سبيله.. ولكن وزارة الداخلية لم تتعامل مع المبادرة علي المستوي اللائق، بل غضت الطرف عنها وبادرت إلي الانتقال إلي المرحلة الثالثة من خطة الاقتحام.
3 ـ المرحلة الثالثة اقتحام «3» وهي تتضمن الانفتاح علي الموقف التفصيلي للقادة التاريخيين والعمل علي تذكية الخلاف في وجهات النظر وتحويله إلي خلاف عملي والتعامل مع أكثر الأطراف مرونة لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة بأقل التكاليف.
واهتمت مباحث أمن الدولة بفكرة كتابة الأبحاث التي تؤصل لفكرة وقف القتال ومنع الخروج علي الحكام واستبعاد أصحاب الرؤي المتوازنة التي ترفض فكرة التوبة والتفكيك، وفي سبيل تحقيق هذه المرحلة قامت الوزارة بنقلي مع طارق الزمر وعدد من الإخوة إلي سجن ليمان أبو زعبل في ظروف صعبة حتي نصير عبرة لمن أراد أن يقول مثلنا بضرورة الحل السياسي وعدم الاقتصار علي الحل الأمني الذي لن يدوم، حيث يمثل قصوراً في رؤية الحل أصرت وزارة الداخلية علي اعتماده ورفضت إشراك السياسيين في حل المشكلة، وأعجبها أن ينسب وقف القتال ونجاحات الاستقرار الأمني إلي أشخاصها بالرغم من أن الفضل في وقف المعركة يرجع إلي القيادة التاريخية التي كانت أحرص علي أمن البلاد وسلامتها من حكام البلاد أنفسهم.
واستجاب عدد من القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية لفكرة كتابة الأبحاث لقناعتهم الشرعية بذلك وبادروا إلي إصدارها سعياً من جهتهم لحل مشكلة الاعتقال التي طالت، وشعروا بأن الواجب يحتم عليهم تقديم الخطوات الايجابية من أجل رفع المعاناة عن عدد هائل من إخوانهم داخل السجون يعانون قهراً فوق طاقتهم ولم ينظروا إلي تحقيق مكاسب للجماعة لكون التدخل المطلوب عاجلاً لدرجة لا تحتمل الصبر والمساومة، فلم يلق هذا الصنيع سوي النكران والجحود من وزارة الداخلية التي بعد أن أخذت هذه الخطوة ـ وغيرها من البيانات التي تظهر فيها الجماعة في ثوب المخطئ في حق النظام ـ أسرعت الوزارة إلي الانتقال إلي المرحلة الرابعة.
4- المرحلة الرابعة «اقتحام 4» وهي عقد الندوات في السجون بمعرفة القيادات التاريخية التي شاركت في إعداد الأبحاث حيث يتم الالتقاء بالقاعدة العريضة للجماعة وعرض ملخصات هذه الأبحاث عليهم وإقناعهم بالعدول عن الفكر السابق، كل ذلك كانت تهدف وزارة الداخلية من ورائه إلي إحداث نوع من عدم الثقة والانشقاق واسع النطاق، ولكن الوزارة فوجئت بقبول القاعدة العرضية فكرة وقف القتال والتحول إلي الطرق السلمية للدعوة إلي الله تعالي، وبدأت في تخفيف القبضة الأمنية وتحسنت أوضاع السجون وفتحت الزيارات المغلقة منذ سنوات وسمحوا بالدراسة والكتب والجرائد والمذياع وعالجوا المرضي في المستشفيات، وإجمالاً أعطت وزارة الداخلية للمعتقل حقوقه التي نصت عليها لوائح مصلحة السجون واعتبرت أن هذا هو الثمن والمقابل المجزي الذي لا ينبغي أن تطلب القيادة التاريخية سواه، وبالتالي بقيت الإفراجات بطيئة جداً وليست علي مستوي يسمح بتصفية أوضاع المسجونين والمعتقلين إلا بعد مرور عقدين من الزمان!!

عبود الزمر

(البديل)


علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق