استقطاب ناخبي القيم

نشره moneep يوم جمع, 2008-05-02 11:37.

في كلمة باراك أوباما أمام المانحين الأثرياء في سان فرانسيسكو التي أصبحت شهيرة، اعتبر أن سبب رفض الديموقراطيين البيض في البلدات الصغيرة لترشيحه هو غضبهم من سوء طالعهم الاقتصادي. قال أوباما: "يشعرون بالمرارة فيلجأون إلى المسدسات أو الديانة.. كطريقة للتعبير عن إحباطهم". بدا أن أوباما يلمح إلى أن المحافظية الاجتماعية هي من التداعيات السامة للكرب الاقتصادي، وربما أضرت به في بنسلفانيا الأسبوع الماضي، حيث خسر الانتخابات التمهيدية لمصلحة هيلاري كلنتون.
غير أن المفهوم الذي عبر عنه أوباما ليس جديدا. عام 1991، زعم كلنتون أن ضرب الجمهوريين على وتر القيم التقليدية نجح لأن "هناك عددا كبيرا من البيض غير الآمنين اقتصاديا الذين يموتون خوفا". بالفعل، هناك فكرة رائجة جدا بأن البيض في الطبقة العاملة الأمريكية يصوتون بغباء للقيم على حساب مصلحتهم الاقتصادية. لكن هل هذه النظرية صحيحة؟ يتبين أن الجواب معقد. إذا كان تعريف الطبقة العاملة البيضاء هو الأشخاص الذين لا يملكون شهادات جامعية، فبهذه الحالة، نعم، كان هؤلاء الناخبون أساسيين في النجاحات الجمهورية منذ الستينات من القرن الماضي. وعام 1972، تعمد ريتشارد نيكسون "تحويل الوطنية والأخلاق المسألة الأساسية وتجاوز الأمور المادية". ولاحقا قاد الخبيران الاستراتيجيان في الحزب الجمهوري، لي أتووتر وكارل روف، حزبهما إلى النصر عبر استقطاب الناخبين غير المثقفين استنادا إلى مسائل مثل الديانة والوطنية وحيازة السلاح ومعارضة برنامج الرعاية الاجتماعية والعمل الإيجابي المستند إلى العرق.
لكن ليس واضحا إطلاقا أنه عبر اختيار التصويت للجمهوريين، تصرف هؤلاء الأمريكيون ضد مصلحتهم الاقتصادية، لأنه ليس جليا على الإطلاق أن الديموقراطيين كانوا سيقدمون مساعدة اقتصادية أكبر من تلك التي قدمها الجمهوريون. ففي حين كان الليبراليون الأمريكيون في الحكم أسخياء جدا مع الفقراء ــ عبر شطب أسمائهم من اللوائح الضريبية وزيادة الخصم الضريبي على الدخل المكتسب ورفع الحد الأدنى للأجور ــ لم تحقق هذه الإصلاحات الكثير لعدد كبير من البيض في الطبقات العاملة الذين يجنون مبالغ تمنعهم من التأهل للاستفادة من برامج مكافحة الفقر على أساس الموارد المالية. بدلا من ترويج خطط لرفع الأجور المتوسطة التي تراوح مكانها منذ السبعينات من القرن الماضي، ركز الليبراليون على وقف التخفيضات الضريبية للأثرياء، وهو هدف مشروع، لكن على غرار الرعاية الصحية، لا يزيد فلسا واحدا إلى صافي الأجر. ومن خلال دعم العمل الإيجابي المستند إلى العرق، شجع الليبراليون التقليديون التمييز الإيجابي لمصلحة السود واللاتين ضد أفراد الطبقة العاملة البيضاء في القبول في الجامعات ومساعدة المؤسسات الصغيرة وإعادة تقسيم المقاعد في الكونغرس.
كما أن أتباع النظرية التي تعتبر أن الطبقة العاملة البيضاء تصوت ضد مصلحتها، يخطئون بالقول إنه يجب على الديموقراطيين العودة إلى الخطاب الطبقي الذي استعملوه كما يزعم في حقبة "البرنامج الجديد". في الكتاب الذي حقق أفضل المبيعات عام 2004، What''s the Matter With Kansas? (ما خطب كنساس؟)، يعتبر توماس فرانك أنه عبر التخلي عن اللغة الطبقية التي يقول إنها كانت تميز الديموقراطيين عن الجمهوريين، أصبح الديموقراطيون "سريعي العطب أمام المسائل الثقافية الخلافية... التي كان طابعها الهذياني الجذاب يحجب عادة خلف المشاغل المادية". لكن الحقيقة هي أن ديموقراطيي البرنامج الجديد من فرانكلين روزفلت إلى ليندون جونسون، كانوا يتحدثون دائما اللغة الأممية للمصلحة الوطنية والخير العام في مقابل المصلحة الخاصة الفاسدة و"الملكيين الاقتصاديين" (بحسب تعبير فرانكلين روزفلت)، وليس اللغة الماركسية للعمال في مقابل الرأسماليين. وكانوا يلتزمون الصمت إلى حد كبير في المسائل الاجتماعية.
يقدم الجمهوريون اليوم لناخبي الطبقة العاملة البيضاء قيما تقليدية إنما ليس تقدمية اقتصادية. ويقدم الديموقراطيون المعاصرون التقدمية الاقتصادية وليس القيم التقليدية. وفي حين لا يقدم أي من الحزبين لناخبي الطبقة العاملة البيضاء مزيج المحافظية الاجتماعية المعتدلة والتقدمية الاقتصادية المعتدلة الذي يرغبون فيه، يستمر الجمهوريون في الإفادة من واقع أنه في الولايات المتحدة، كما في معظم أجزاء العالم، تتفوق قيم تحديد الهوية على الاهتمامات المادية. عندما يكون هناك تضارب بين مصلحة الناس المالية وقيمهم، يختار معظم الناخبين القيم. فالإنسان لا يجازف بالإصابة بجرح بسيط من أجل الحصول على زيادة في الراتب لكنه مستعد للموت من أجل عقيدة.
السخرية هنا هي أن الليبراليين يدركون أهمية الهوية المتحدية عندما يتعلق الأمر بشهر التاريخ الأسود أو يوم الفخر لمثليي الجنس أو الحاجة إلى دراسات عن السود واللاتينيين والنساء في الجامعات. لكن الكثير من الليبراليين النخبويين مسرورون جدا بتوجيه انتقادات شديدة للثقافات الفرعية للطبقة العاملة مثل الكاثوليك الأمريكيين الإيرلنديين والبروتستانت الاسكتلنديين، الإيرلنديين الجنوبيين، عندما يرفض هؤلاء التضحية بهوياتهم من أجل مصلحتهم الاقتصادية. والآن بينما يجمع الديموقراطيون أموالا ويحصدون أصواتا من فاحشي الثراء أكبر من تلك التي يحصل عليها الجمهوريون، ظهرت ازدواجية فاضحة في المعايير. عندما يصوت مانحو أوباما في المدن الكبرى انطلاقا من مثلهم العليا وليس من مصلحتهم، يعتبرون أنفسهم منورين ونبلاء، لكن عندما يصوت التقليديون البيض في البلدات الصغيرة من المنطلق نفسه، يعتبرون مغفلين مثيرين للشفقة.
الحقيقة الأساسية التي يجب أن يتذكرها الديموقراطيون هي أن سياسة القيم لا تتناقض مع التقدمية الاقتصادية. لكن يجب أن يتعلم التقدميون الاقتصاديون، على غرار المحافظين الاقتصاديين، كيف يكيفون برامجهم مع حاجات التقليديين، ويطمئنوا جماهيرهم أنهم لا يتفقون في الرأي مع توماس فرانك بأن قيمهم "هذيانية".

(مايكل ليند- نيوزويك العربية)


علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق