الجماعات الإسلامية و ترك السياسية

نشره moneep يوم اثن, 2008-03-31 11:03.

منذ خروجهم من السجن على فترات مختلفة يصر بعض قادة الجماعة الإسلامية المصرية على أنهم لن يمارسوا السياسة ، ونقل أحد المواقع عن القيادي الدكتور ناجح إبراهيم قوله "نحن نميل إلى الدعوة والدين أكثر مما نميل إلى السياسة. دعويون أكثر منا سياسيين" ، مضيفاً أن "هناك من يتصور أن الحكومة تريد ذلك ، لكن الحقيقة أن هذا ما نريده ، فالسياسة تدخل فيها المهاترات والخداع ، وتنتهي حياة الإنسان وهو لم يحقق شيئا".

يستحق هذا الكلام الذي يعبر بالضرورة عن نهج قادة الجماعة منذ خروجهم من السجن بعض التوقف ، لا سيما أن بعض كلام الدكتور سيد إمام عبد العزيز القائد السابق لجماعة الجهاد (شريكة الجماعة في عنف الثمانينيات حتى النصف الثاني من التسعينيات) يصب في ذات الاتجاه ، لا أعني المراجعات بحد ذاتها ، ولكن الحوار المطوّل الذي أجرته معه صحيفة الحياة اللندنية.

ومع تقديرنا الحقيقي وليس النظري للوضع الحساس الذي يعيشه أولئك القادة بعد تجربة مريرة استمرت ربع قرن من الزمان ، ذاقوا خلالها مرارة السجن وفقد الإخوة ، إلا أن ما قيل ويقال يستحق التوقف. لو خرج القادة إياهم من السجون وذهبوا إلى بيوتهم وأعمالهم ، ثم سكتوا بشكل تام ، أو مارسوا الدعوة بشكل منفرد ، كل بحسب قدراته ، لو فعلوا ذلك لما كان لأحد أن ينتقدهم ، فالسياسي أو الداعية أو الثائر أو المجاهد أو المناضل ، سمّه ما شئت ، بشر له قدرته على الاحتمال ، وحين يدرك أنه لم يعد قادراً على احتمال المزيد من المشقة فعليه الاعتزال من دون أن يجر الآخرين إلى المسار الذي اختاره لنفسه.

من حق الدكتور ناجح إبراهيم وأي أحد آخر خاض غمار تجربة فاشلة أن يعيد النظر في اختياره الشخصي ، لكن ما ينبغي قوله هنا هو أن الفشل في التجارب النضالية والجهادية لا يعني خطأ المسار بالضرورة ، مع أنني أعتقد أن ثمة خطأ في حالة الجماعة. أما الأهم فيتمثل في أنه ليس من حق قائد مسيرة فشلت ووصلت الجدار المسدود أن يحرفها نحو مسار آخر ثم يواصل تصدره للمشهد ، بل عليه أن يعتزل العمل ويذهب في اتجاهه الفردي الأنسب له بحسب قناعته.

لقد خرج القادة إياهم من السجون بينما جماعتهم في وضع بائس بسبب نجاح الأجهزة الأمنية في تحقيق انتصار كبير عليها ، وهم خرجوا بعد مراجعات هي في جوهرها اعتراف بعبثية المسار ، وبما يشبه الصفقة مع السلطة ، بصرف النظر عما إذا كانت مباشرة أم لا ، ولن يقال هنا إنهم أنهوا محكومياتهم ، لأن ذلك لم يكن ليؤدي للإفراج بالضرورة لو ظلوا مصرين على برنامجهم القديم.

الذي يفعله ناجح إبراهيم ومن معه أنهم يريدون دفع ثمن الصفقة بتحويل الجماعة من نمط إلى نمط آخر مختلف إلى حد كبير. تحويلها من العمل السياسي والدعوي الشامل ، إلى العمل الدعوي من دون السياسي ، والمصيبة أن ذلك لم يكن ليسمح به لولا وجود الإخوان المسلمين وإسلاميين آخرين يعملون في المعارضة السياسية في الساحة ، إذ المطلوب الآن هو مواجهة صعودهم من خلال آخرين في الساحة الدعوية. إنهم أشبه بمجموعات السلفية التقليدية التي تستخدمها السلطات العربية وتفتح لها مجال العمل لأنها تقول "من السياسة ترك السياسة" ، مع أنهم لا يتركون السياسة في واقع الحال ، بل يمارسونها على نحو ينسجم مع مصالح الأنظمة ، وهنا في حالة الجماعة الإسلامية ستغدو المهمة المفترضة هي أخذ الناس ، لا سيما المتدينون ، بعيداً عن العمل السياسي بدعوى غياب الإمكانية ، مع أنها متوفرة في واقع الحال ، أقله وفق نهج "أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض" ، وهو نهج يمارسه كثيرون ، من بينهم نخب ليست إسلامية المنهج والطرح ، ويتحملون العنت بسبب ذلك.

يقدر لهؤلاء الرجال (من الجماعة والجهاد وسواهم) ما قدموه ، لكن حرف المسيرة بالكامل برفض العمل السياسي من حيث أتى ، ومن خلال ذات الأطر لا يصب في خدمة الإسلام والمشروع الإسلامي على النحو الأفضل ، خلافاً للحال لو ذهبوا نحو الدعوة منفردين ، حتى لو حلت الجماعة بالكامل ، فالتنظيم أو الحزب أو الجماعة مجرد وسائل وليست غايات في حد ذاتها.

 ياسر الزعاترة

(نقلا عن جريدة الدستور الأردنية) 
 


علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق