لبنان إلى أين؟؟

Submitted by moneep on جمع, 2008-02-08 07:46

"أشعر كأن بين يدي قنبلة موقوتة أعمل على تأخير انفجارها وتفكيكها، لأنه في حال حصول الانفجار سيصيب الاذى الجيش والمقاومة والوطن. أي شخص يستطيع ان يفكك هذه القنبلة سيلقى دعم الجيش".
هكذا تحدث الجنرال ميشال سليمان، قائد الجيش اللبناني والمرشح " المجَمد " لرئاسة الجمهورية اللبنانية، في 16 يناير الماضي...بعدها بـ 13 يوماً إنفجرت هذه القنبلة في وجهه هو نفسه، حين إندلعت مواجهات دموية مفاجئة بين الجيش ومتظاهرين في الضاحية الجنوبية الشيعية من العاصمة بيروت أدت، كما هو معروف، إلى مصرع 8 أشخاص من بينهم مسؤولون من حركتى "أمل" و"حزب الله" الشيعيتين، وإصابة نحو 19 شخصا بجروح بليغة.

من أطلق النار على هؤلاء؟ الجيش نفى مسؤوليته. وحركة " أمل " أكدت ذلك متهمة " طرفاً ثالثاً"، لكن "حزب الله"، الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن سكان الضاحية الجنوبية الذين يقترب عددهم من نصف المليون، إختار أن يوَجه للمرة الاولى تهديدات عنيفة للجيش بضرورة "عدم تجاوز الخطوط الحمر".

كان يمكن، ببساطة، أن تتطور هذه المجابهات إما إلى حرب طائفية جديدة بين منطقتي الشياح (الشيعية) وعين الرمانة(المسيحية) التي إنطلقت منها شرارة الحرب الاهلية العام 1975، أو إلى معارك واسعة تؤدي في النهاية إلى إنفراط عقد الجيش اللبناني مجدداً على أسس مذهبية- طائفية(غالبية عديد الجيش من الشيعة). وبرغم أنه بالكاد تم تجنَب ذلك، إلا أن الأضرار الوطنية وقعت بالفعل وستكون لها مضاعفاتها الواضحة في الأيام والأشهر المقبلة.

أولى هذه المضاعفات، المزيد من تآكل فرص الجنرال سليمان في الوصول إلى قصر الرئاسة في بعبدا. لماذا "المزيد" ؟ سنعرف ذلك بعد قليل.

ثانيها، أن الحرب الأهلية اللبنانية لم تعد مستبعدة إلى هذا الحد. صحيح أن كل الأطراف، وفي مقدمهم حزب الله، لا يريدونها، إلا أنهم، وكما أثبتت حوادث الضاحية، قد ينجرَون أو يجرَون إليها.

ثالثها، إغلاق كل الأبواب والنوافذ أمام أي حل عربي للأزمة اللبنانية، خاصة إذا ما تلقت المؤسسة العسكرية ضربة موجعة أخرى، بعد أن تم شل مؤسسات الرئاسة والحكومة والبرلمان.

من بين كل هذه الإحتمالات الثلاثة، يبدو الأخير هو الأهم والأخطر لسبب واضح: الأزمة اللبنانية، في العمق، أزمة إقليمية ودولية تخاض بأدوات محلية. إنها، كما يقول بعض اللبنانيين، "حروب الآخرين على أرض لبنان". وهي حروب كانت تعاد وتكرر بدون توقف منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن بسبب طبيعة المحاصصة الطائفية- المذهبية التي تعرقل قيام الدولة الوطنية اللبنانية الحديثة وتجعلها، بالتالي، دولة فاشلة.

أبرز معالم هذه الحروب الآن هي المجابهة السورية- السعودية، التي ظن الكثيرون أنها خفَت أو تراجعت بعد أن وضع وزراء الخارجية العرب يدهم على الملف اللبناني، لكن، تبيَن لاحقاً ان رياح الشقاق لا تزال هي الطاغية على نسائم الوفاق.

فالرياض لا تزال حانقة بشدة على دمشق، وتتهمها ليس فقط بالسعي لإضعاف النفوذ السعودي في لبنان، بل أيضاً في ضعضعة الجبهة العربية ضد النفوذ الأيراني المتنامي في الخليج وكل منطقة الشرق الاوسط.

ودمشق تشعر بألم حقيقي بسبب ما تعتبره تواطؤاً عربياًً مع واشنطن وباريس بدأ منذ العام 2005 ولم يتوقف حتى الآن، لإخراجها من لبنان، ثم لمحاصرتها وخنقها بأنفاسها داخل حدودها. لا بل يعتقد السوريون أن بعض العرب لم يعترض على الخطة التي كان ينوي المحافظون الجدد الأميركيون تنفيذها العام 2003 أو 2004، للقفز من بغداد إلى دمشق وتغيير النظام فيها.

لقد أمل الكثيرون بأن ينجح الوزراء العرب في تقريب وجهات النظر، تجنباً لمزيد من الكوارث. فالزلزال العنيف الذي يضرب المنطقة العربية، والذي أدى (حتى الآن) إلى فلق العراق إلى ثلاثة أجزاء، والسلطة الفلسطينية إلى سلطتين، ويكاد حالياً يمَزق لبنان، يهَدد بإستنساخ هذه المآسي في ما تبقى من الدول العربية. وبالتالي، فإن آخر ما تحتاجه المنطقة في هذه الأيام، هو هزات أرضية عربية داخلية جديدة تسمح باندلاع المزيد من الزلازل المدمَرة المصنوعة في الخارج.

بيد ان الأمال شيء، والوقائع شيء آخر. وهذه الأخيرة تشي بأن ما جرى ويجري في القاهرة لم يكن وفاقاً سورياً- سعودياً إستند إلى المصارحة والمكاشفة، بقدر ما كان وساطة قطرية إعتمدت على تقريب المواقف المتباعدة بين طرفين متخاصمين لا يكلمان بعضهما البعض.

ثم هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية: الخلافات داخل المحور التاريخي السوري - السعودي – المصري لا تجري في فراغ. إنها جزء من الصراع الدولي - الإقليمي العام في الشرق الاوسط بين إيران وحلفائها وعلى رأسهم سوريا، وبين أميركا وأصدقائها وفي مقدمتهم مصر والسعودية.

في السابق، حين برز التباين بين الأطراف الثلاثة حيال الحرب العراقية - الإيرانية (1980-1988)، كان في وسعها(أي الأطراف) توظيفها لخدمة هذا المحور: سوريا عبر إستخدام الجزرة مع إيران، ومصر والسعودية عبر التلويح بالعصا العربية, لكن الامور إختلفت الآن, "الخطر الإيراني"، كما يصفه المصريون والسعوديون، يطرق الأبواب الداخلية للعراق ومعه كل دول الخليج وأي جزرة تُقدم الآن لطهران لن تؤدي برأيهم سوى إلى تعزيز صعودها الإقليمي.

ولأن سوريا لا تبدو في وارد إلغاء أو حتى تقنين تحالفها الإستراتيجي مع إيران، ولأن الخوف من "الهلال الشيعي" ( سواء كان خوفاً حقيقياً أو مفتعلاً) ما زال موجوداً، بات يتعَين إنتظار أكثر من سحابة دخان أبيض واحدة، قبل القول بأن الآمال ستطابق الوقائع.

نعود الان إلى مسألة الجنرال سليمان لنتساءل: لماذا وهنت حظوظه الرئاسية إلى هذا الحد؟ ثمة سببان:

الأول أورده الصحافي البريطاني المقرب من دمشق باتريك سيل، ومفاده أن سوريا "فقدت ثقتها به بعد زيارة سرية قام بها إلى السعودية حيث قدم تعهدات بشأن تحالفاته المستقبلية".

والثاني ما أشارت إليه مصادر مطلعة، قريبة هي الأخرى من دمشق، من أن سوريا ليست في الواقع مستعجلة لوضح حد للازمة اللبنانية عبر تسهيل وصول سليمان إلى الرئاسة. فهي لا تريد "حلولاً ترقيعية" قد تسمح للقوى الموالية لأمريكا وإسرائيل (أي تيار 14 آذار) بدفع البلاد إما إلى صلح مع إسرائيل أو إلى محاولة تجريد حليفها الرئيس "حزب الله" من السلاح. إنها تريد التوصل إلى صيغة جغرافية - إستراتيجية جديدة تحَصن كلاً من لبنان وسوريا في وجه التمدد أو التهديدات الإسرائيلية.

الترجمة العملية لهذه المواقف هي تأجيل الحلول للأزمة اللبنانية إلى ما بعد رحيل الرئيس الأمريكي بوش من البيت الأبيض، وأيضاً إلى ما بعد الإنتخابات النيابية اللبنانية بعد نحو السنة. إذ حينذاك قد تسمح الظروف الدولية (الأمريكية) والمحلية (اللبنانية) بإعادة بسط النفوذ السوري مجدداً على لبنان.

هل هذه الرهانات في محلها؟
 نعم، إذا ما بقيت الأزمة اللبنانية تتراقص على شفير الحرب الأهلية، بدون ان تقع في هاويتها. فهذا سيمَكن سوريا من تحقيق أهدافها بدون إنغماس دولي وإقليمي أكبر في الشأن اللبناني، وذلك عبر تشكيل برلمان وحكومة جديدين يكونان أقرب إلى دمشق منهما إلى واشنطن.

ولا، إذا ما أفلتت الامور من نطاق السيطرة. في هذه الحالة، ستطل إسرائيل برأسها بقوة لتحقيق جملة أهداف دفعة واحدة:

أولاً، تصفية الحساب مع "حزب الله" عبر دفعه إلى الإيغال في الدم الطائفي - المذهبي، الأمر الذي سيجرده من ورقة المقاومة ويحَوله إلى مجرد ميليشيا أخرى. وبذلك تكون الدولة العبرية قد حققت بحروب الآخرين ما عجزت هي عن تحقيقه بحربها العسكرية المباشرة.

ثانياً، الحرب الأهلية قد تسفر هذه المرة عن تفكك الكيان اللبناني نفسه إلى دويلات مسيحية ومذهبية إسلامية. وهذا سيحقق أمنية قديمة وعزيزة وضعها قادة إسرائيل منذ أوائل الخمسينات وتقضي بإقامة دولتين مسيحية ودرزية موالية لها في بلاد الأرز.

ثالثاً، وهذا الهدف الثاني قد يكون مدخلاً لتقسيم سوريا نفسها، إستكمالاً للخريطة التفتيتية الجديدة التي تُرسم الآن في المنطقة العربية، والتي بات البعض يطلق عليها الآن إسم "الشرق الأوسط اليهودي".

مع ذلك يتساءل كثيرون: هل هناك بارقة أمل ما في إنقاذ الوضع اللبناني من المخاطر الجمة التي يتعَرض لها؟

الأمر بات يحتاج إلى جملة "معجزات": معجزة الوفاق السوري - السعودي قبيل القمة العربية المقررة في شهر مارس المقبل. معجزة الهدنة السعودية - الإيرانية.. معجزة التفاهم السوري- الاميركي والسوري- الفرنسي .. الخ.

لكن، ولأن هذا ليس عصر المعجزات، يضع كل اللبنانيين أيديهم على قلوبهم، ويتخوَفون من أن يكون إنفجار القنبلة الموقوتة التي حذَر منها الجنرال سليمان في الضاحية الجنوبية، هو مجرد "بروفة" تدربية على إنفجار أكبر واوسع.. على "إنفجار نهائي"، إذا جاز التعبير، بإشراف إسرائيلي مباشر هذه المرة.

(نقلا عن)


 

علِّق

  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق